مفهوم الإصلاح الإداري
من السمات الاساسية التى يتصف بها علم الإدارة وتطبيقاته المختلفة فى كافة ميادين الحياة هى الديناميكية والحركية وسرعة الاستجابة للتطور والتقدم العلمى والتقانى وبما يتماشى مع التغييرات الحاصلة فى البيئات السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها. ولذلك كانت ولا تزال تظهر اتجاهات جديدة فى مختلف دول العالم وخاصة المتقدمة منها تؤكد ضرورة تحديث الأنظمة والهياكل الإدارية وأساليبها وأدوات وتقانات عملها. وذلك من اجل رفع وتحسين مستوى كفاءة الأجهزة العامة للإدارة.
لقد قدم علماء الإدارة مجموعة كبيرة من المصطلحات الدالة على عمليات التحديث والتطوير منها : التنمية الإدارية ، الإصلاح الإدارى ، التطوير الإدارى ، إعادة الهيكلة ، الهندرة ، أعادة اختراع الحكومة وغير ذلك كثير من المصطلحات. لكن جميع هؤلاء العلماء لم يتمكنوا من تقديم تعاريف موحدة لهذه المفاهيم نظرا لتباين مدارسهم وإتجاهاتهم الفكرية والعلمية والسياسية .
1ً-المدلول الإدارى لمفهوم الإصلاح الإدارى:
الإصلاح الإدارى وفقاً لهذا المدلول يعنى أن القيام على فكرة " الثقة فى أن الدول الغربية قد حققت أفاقاُ عالية من الكفاءة الإدارية ، تلك التي يكون نقلها إلي الدول النامية أمراً ضرورياً، ويكون الإصلاح الإدراى طبقاً لهذا التعريف هو عملية نقل التكنولوجيا الغربية".([1] )
كما عرف مؤتمر الإصلاح الإدارى فى الدول النامية الذى عقدته هيئة الأمم المتحدة بجامعة ساسكى البريطانية لعام 1971 " عملية الإصلاح الإدارى على أنها حصيلة المجهودات ذات الإعداد الخاص التى تستهدف إدخال تغييرات أساسية فى المنظمة الإدارية العامة من خلال إصلاحات على مستوى النظام جميعه، أو على الأقل من خلال معايير لتسحين واحدة أو اكثر من عناصرها الرئيسية مثل الهياكل الإدارية والافراد والعمليات الإدارية".([2] )
كما هو واضح من التعريفيين السابقين فإن الأول تناول مسألة الإصلاح الادراي على أنها عملية نقل تقانات فقط من الدول المتقدمة إلى الدول النامية متجاهلاً مسائل الاصلاح المرتبطة بالهياكل والنظم الإدارية وتخفيف المركزية وتطوير الأطر البشرية وغيرها. أما التعريف الثانى فإنه لم يتطرق لأثر البيئة السياسية او الاقتصادية أو الاجتماعية على نشاطات الإصلاح وهذا يعنى إنكار هذه المدلولات الرئيسة فى أية مسألة للإصلاح الاقتصادى أو الإدارى .
وبناء على ما تقدم يمكن التأكيد على أن المدلول الإدارى لمفهوم الاصلاح يجب أن يعالج المسائل المتعلقة بـ : كفاءة أجهزة الإدارة العامة من خلال تبسيط الإجراءات وإعادة هيكلة الجهاز الادارى وتطوير منظومة القوانين والتشريعات الإدارية.
ويؤكد الدكتور على الباز رداً على المدلول الإدارى لمفهوم الاصلاح " أن هناك مشاكل معينة تعوق عمل المنظمات الإدارية أى تعوق سبيل تحقيقها لأهدافها العامة وتلك المشكلات أو المعوقات تحتاج لعلاج أو لإصلاح إدارى كى تتمكن الإدارة العامة من تأدية واجباتها فى تحقيق الاهداف العامة. ومرد تلك المشكلات إلى أحد أمرين : فإما أن تكون نابعة من داخل أجهزة الإدارة العامة أي أن أسبابها كامنة داخل الإجهزة أو المنظمات الإدارية العامة ، وأما أن تكون نابعة من خارجها أي من البيئة الخارجية والأجهزة السياسية والاقتصادية.. " . ([3] )
وهناك فريق من الباحثين يفند المدلول الإدارى للإصلاح على اعتبار أن هذا الأخير له أبعاد أوسع وأشمل من مجرد حصره فى نطاق الجهاز الإدارى المحدود ، حيث أن أى نظام يعتبر جزءاً لا يتجزأ من مجموعة نظم أخرى ذات طبيعة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تؤثر وتتأثر بالنظام الإدارى السائد . وهذا يعنى أن " أي تغيير إدارى غير كاف مالم يكن جزءاً من تغيير شامل بجميع نواحى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية "([4] )
1- المدلول السياسيى لمفهوم الإصلاح الإداري :
يربط العديد من الباحثين الإداريين الإصلاح الإدارى بالإصلاح السياسي أو( بالنظام السياسى) لدرجة أن البعض يؤكد أن الإصلاح الإدارى يقوم أساساً على الإصلاح السياسى وبدون هذا الأخير لا معنى للأول وخاصة فى الدول النامية حيث عرف Mont Gomery الإصلاح الإدارى بأنه " تلك العملية السياسية التى تصيغ من جديد العلاقة ما بين السلطة الإدارية والقوى المختلفة فى المجتمع" ([5] ). وهذا يستتبع أن مشاكل الجهاز الإدارى هى بالأصل سياسية وبالتالى فإن معالجتها يجب أن تأتى من قمة الهرم السياسى، على اعتبار أن وظائف الدولة تتسع وتتعمق أفقيا وشاقوليا.
يؤخذ على هذا المدلول أنه يوازن مابين السلطة التنفيذية وباقى سلطات الدولة من حيث ضرورة التوافق فى برامج الإصلاح بالنسبة لمستويات التنظيم الإدارى والسياسي ، لأن تغليب الإصلاح الإدراى على السياسي سيقود إلى سيطرة الجهاز الإدارى على سياسة الدولة . لهذا فإنه من المطلوب تحقيق التوافق فى برنامجى الإصلاح الإدارى والسياسى معا.
3ً-المدلول الاجتماعى لمفهوم الإصلاح الإدارى :
ترجع أهمية هذا المدلول إلى نشأة علم إجتماع الإدارة العامة, ذلك العلم الذى كان له أكبر الأثر فىتوجيه أنظار الباحثين إلى أهمية الوسط الاجتماعى فى دراسات الإدارة بصفة عامة وفى جهود الإصلاح الإدراى بصفة خاصة، حيث أن الأساليب والمفاهيم الإدارية ما هى إلا العناصر اللازمة لكى تحقق المنظمات الإدارية أهدافها فى إطار اجتماعى محدود لها فى ضوء الظروف والمعطيات الاجتماعية ، ولهذا فإن العملية الإدارية لا يمكن استيعابها إلا بالفهم الكامل لإبعاد الوظيفة الاجتماعية للمنظمة، حيث أن المنظمات الإدارية ما هى إلا أنظمة اجتماعية فرعية تتكامل فى نظام أكبر هو النظام الاجتماعى . ([6] )
ويؤكد الدكتور نزيه الأيوبى البعد الاجتماعى " للإصلاح الإدارى الذى يربطه بعملية ترشيد وإصلاح يساعد على التقدم والتحول فى البناء الاجتماعى وهو يعكس إلى حد ما ايديولوجية النظام الاقتصادى والاجتماعى السائد فى الدولة " ([7] )
يرى فريق آخر من العلماء أن اختلاف أراء الباحثين حول مفهوم الإصلاح الإدارى يعود لعدة أسباب أهمها : أن الإصلاح الإدارى له مفهوم معيارى قيمي وله أبعاد أخلاقية متعددة ذات أهداف تختلف معايير قياسها – الإصلاح يمثل عملية تنموية وسياسية واجتماعية لها جوانب تنفيذية واقتصادية – ليس علاجاً فقط لسلبية إدارية بل هو مضامين سياسية واجتماعية وإرتباط بعملية تحول من وضع لآخر. ([8] )
يعتبر جيرالد كايدن (Girald Caiden) من اهم أنصار البعد الاجتماعى للإصلاح الإدارى حيث يرى أن " التغير الاجتماعى يشكل الإطار العام للإصلاح الإدارى ، ولا يمكن التحدث عنه بمعزل عن التغير أو التطور الاجتماعى إذ ان كليهما يساند الآخر ويتداخل معه"([9] ) وهذا يعنى بأن الاصلاح الإدارى هو نتيجة حتمية وطبيعية لتطور القوى الاجتماعية التى تسعى لتحقيق التطور الإدارى المطلوب ليس بصورة تلقائية بل بصورة إرادية مدروسة.
وهكذا فإن المدلول الاجتماعى للإصلاح الإدارى لا يمكن تجاهله على اعتبار ان " الارتباط بين النظام الإدارى من ناحية والنظام الاجتماعى من ناحية أخرى. وهى حقيقة علمية تقوم عليها نظرية الإدارة العامة، ولا مناص من الأخذ بها كشرط أساسى لتطبيق الأسلوب العلمى للإصلاح الإدارى"([10] )
من خلال الاستعراض السريع لمدلولات الإصلاح الأدارى من النواحى الإدارية والسياسية والاجتماعية فإنه لا يمكننا إلا أن نسلم بضرورة تكامل هذه الأبعاد الثلاثة مع بعضها البعض لتشكل النسيج الشامل والمتوازن لمفهوم الإصلاح الإدارى الذى لا تكتمل مضامينه فى ظل غياب البعدين السياسى والاجتماعى .
ثالثا : الإصلاح الإدارى فى الفكر الغربي
أن كافة المصادر والدراسات الإدارية تشير إلى أن التطور التاريخى للنشاط الإداري كان مبنياً على إحداث تغيرات مستمرة فى هيكل أجهزة الإدارة العامة من خلال استخدام المنهج التجريبى فى الدراسات الإدارية القائم على أساس مبدأ التجربة والخطأ الذى يرتكز على دعامتين أساسيتين وهما:
الأولي : إقامة الهيكل التنظيمى للجهاز الإدارى (مفهوم ستاتيكى)
الثانية : أعادة بناء هذا الهيكل كلما أقتضى الأمر (مفهوم ديناميكى). ([11] )
فالدعامة الأولى تعنى إقامة الهيكل التنظيمى للجهاز الإدارى الحكومى والبدء فى عملية تشغيله والعمل على رصد وأكتشاف الأخطاء ونقاط الضعف فى حال وجودها . ومن ثم تأتى الدعامة الثانية لإعادة بناء الهيكل التنظيمى للجهاز الإدارى على الأسس التجريبية على أرض الواقع مع تجاوز الأخطاء ونقاط الضعف المكتشفة عند التشغيل فى صياغة الهيكل الجديد. وهذا يؤكد على أن إقامة النظم الإدارية وإدخال التعديلات عليها هما وجهان لعمله واحدة هى الإدارة العلمية . وعملية الإصلاح والتطوير الإدارى فى الدول الغربية تتم بواسطة تشكيل لجان فنية واستشارية أو حتى وحدات إدارية مستقلة يتم إلحاقها بالمستويات السياسية أو لإدارية العليا فى الدولة.
كما أن بعض الدول ووفقاً لظروفها فإنها قد تلجأ لإدخال إصلاحات سريعة غير روتينية فى سياساتها التقليدية . وهنا لابد من إصلاح الجهاز الإدارى ليصبح قادراً على تنفيذ برامج التغيير من خلال إنشاء لجان ذات طابع إستشارى (فنى وسياسى) تقوم بدراسة التنظيم الإدارى ثم تقدم توصياتها إلى السلطات المختصة لإصدار التشريعات اللازمة لإصلاح الجهاز الإدارى للدولة وهو ما يؤكد الدور الإستشارى للإصلاح الإدارى ". ومن هذه اللجان" لجنة فولتون " فى بريطانيا ، " ولجنة المادة 76" فى فرنسا ،وكذلك لجان الدراسات الاستشارية فى الولايات المتحدة الامريكية التى تمثل أهم أدوات تحسين وتدعيم السياسة العامة" ([12] ).
من الزاوية التاريخية فإن مسألة الإصلاح الإدارى فى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية ليست وليدة النصف الثانى من القرن العشرين لا بل أنها تعود في جذورها إلى الزمن القديم. لكننا لسنا بصدد تسليط الضوء هنا على التطور التاريخى لحركة الإصلاح الإدارى عالميا، لكنه من المفيد الإشارة هنا إلى أن توماس جيفرسون كأحد مؤسسي الولايات المتحدة الأوائل اقترح أن تغير الدولة الهياكل الحكومية كل عشرين سنة تقريباً، وتوالت البرامج الخاصة بالإصلاح منذ عام 1828 عندما تولى أندرو جاكسون الحكم الذى طبق مبدأ "دع الشعب يحكم" وتبعه إبراهام لنكولن الذى وسع من دور الدولة وزاد من نشاطها وإعداد موظيفها مروراً بتيودور روزفلت واندور ويلسون ورونالد ريغان ثم بيل كلينتون الذى وضع رؤية جديدة لتغيير امريكا عن طريق الاهتمام بالناس أولا كأساس لهذا التغيير عبر التحول من بروقراطية التسلسل القيادى إلى حكومة تتسم بروح منظمى الأعمال.
كما دعت أكاديمية الإدارة العامة الامريكية عبر تقرير قدمته إلى تقليص دور الحكومة كاشفاً العيوب الأساسية فى الأداء والمتمثلة فى"
1- اتساع فى حجم الخدمات الحكومية .
2- الخدمات التى تقدمها الحكومة تتسم ببيروقراطية شديدة.
3- تضخم حجم الحكومة من حيث موظيفها وميزانيتها الأمر الذى يجعل مساءلتها عملية صعبة .
4- القيادات الحكومية أصبحت مفلسه بصورة عامة.
5- شعور الرأى العام الاميركى بقلق مما تؤدية الحكومة وتزايد دورها . "([13] )
مصطلح الإصلاح الإدارى بمفهومة الحديث بدأ يظهر فى أواخر الستينيات من القرن العشرين فى بعض الدراسات عندما قام علماء الإدارة أمثال Bribanti and Spengler, La Palamora and Riggs بالدعوة إلى إعادة تنظيم النظم الإدارية لتواكب التغيير وتتمشى مع البرامج الإنمائية القومية . وقد ساعد على تقبل هذا الفكر الجديد ان النظم الإدارية القديمة فشلت فى تنفيذ البرامج التى تعمل على تحقيق التنمية والتقدم. وفى الثمانينات دعا علماء الإدارة الحكومات لتطبيق الفكر الجديد فى أجهزتها الإدارية لأنه يعتمد على التغيير والتطوير المنظم لأداء الجهاز الإدراي." ([14] )
فى هذا السياق تقدم كلا من Osborne and Gaebler من خلال كتابهما المشترك " إعادة الاختراع " المبادئ التى يجب أن تنطلق منها الحكومة فى عملها وهى : ([15] )
1- أن الحكومة ليست شراً لا بد منه كما يظن الكثيرون ، فهى ضرورية وأساسية وهامة لكل المجتمعات المتحضرة .
2- أن العاملين فى الحكومة ليسوا هم أساس المشكلة فى تراجع الانتاج والخدمات ولكن النظام الإدارى هو السبب والدليل أن كثيرين ممن يفشلون فى عملهم فى الإدارات الحكومية ينجحون فى العمل فى القطاع الخاص.
3- أن حكومات عصر الصناعة بمركزيتها وبيروقراطيتها والتى تعمل بطريقة متشابهة ، لا ترقى إلى مستوى التحديات والمتغيرات السريعة التى تواكب عصر المعلومات.
4- أن المشكلة التى تواجهها الحكومة ليست بسبب الفكر الليبرالى التقليدى ، ولا الفكر المحافظ التقليدى وهى ليست متعلقة بالإتفاق اكثر أو تقليل الإنفاق، علينا أن نجعل الحكومات فعالة مرة اخرى وذلك بتجديدها.
5- أن نجاح أى حكومة فى مسعاها للتطور لا يأتى إلا من خلال هدفها الأسمى الذى تؤمن به تماماً والمتمثل بالعدالة وتكافؤ الفرص.
ويستنتج الدكتور عطية حسين أفندى أستاذ ورئيس قسم الإدارة العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أهم الأفكار الواردة فى كتاب " إعادة الاختراع" والتى تشكل سمات وخصائص الحكومة المجددة وهى : الحكومة الشركة ،المجتمع مديراً، حكومة منافسة ، حكومة ذات رسالة ، إدارة حكومية بالنتائج ، حكومة يسيرها عملاؤها ، حكومة الأعمال تكسب أكثر مما تنفق ، حكومة غير مركزية بعيدة النظر، حكومة مسيرة بعوامل السوق.
بالعودة إلى الإصلاح الإدارى فإن أهم الخصائص التى يتصف بها وفقا للإدبيات والتطبيقات الإدارية فى العالم الليبرالى هى:
1- يتم وضع وتنفيذ برامج الإصلاح بصورة تدريجية وقد تكون بطيئة أحياناً وغير فجائية أو جذرية ، وذلك فى ضوء دراسات وإستشارات فنية وإدارية تقوم بها لجان من الخبراء فى ضوء سياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية. ويتم هنا استصدار.
2- فى العادة يكون محور الإصلاح منصباً على أحد عناصر النظام الإدارى .
3- أن عملية الإصلاح تبدأ فى العادة من النظام الإدارى نفسه.
4- أن الجهاز الإدارى وأن كان هو هدف الإصلاح، فإنه هو ذاته إداة هذا الإصلاح ووسيلة تنفيذه أيضاً .([16] )
رابعا : الاصلاح الإدارى فى الدول النامية
أن مفهوم الإصلاح الإدارى فى الدول النامية قد أرتبط إلى حد كبير بمشكلات التنمية لأن الأجهزة الإدارية متخلفة وغير قادرة على تنفيذ خطط التنمية القومية بوصفها إدارة تنمية ، ونتيجة لهذا التخلف فلا مناص من إصلاحها حتى تكون قادرة على تحقيق التنمية القومية بكفاءة وفاعلية. ([17] )
وقد رأى البعض من الباحثين بأن حتمية الاصلاح الإدارى فى الدول النامية أهم من حتمية قيام الإدارة العامة بدروها فى التنمية ، لأن الإصلاح فى الدول النامية لا يعنى مجرد إجراء تغييرات وتصحيح فى النظام الإدارى، بل يعنى فى الوقت نفسه احداث تغييرات في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية تواكب التغييرات الإدارية ([18] ) وقد أرتأى البعض الآخر من الإداريين على أن عملية الإصلاح تمثل تغيير أصيل فى العمل وفى التنظيم وفى الاشخاص وفى نظرة الناس فى كل هذه الأمور وهو فى إطار هذا المفهوم ليس مجرد تعديل بسيط أو مواءمة سطحية ، وإنما تحول كامل فى الخطط وتغيير جوهرى فى الروح والفكر وإنماط السلوك وفى التنظيم وعمل العنصر البشرى. ([19] )
لكن التطور تعثر فى الكثير من الدول النامية كما يؤكد بارى بوزمان بسبب " سيطرة الجهاز الإدارى البيروقراطى على معظم المؤسسات حتى أصبح قوة من الصعب السيطرة عليها مما أدى إلى عدم المرونة وتضارب الهياكل القانونية والتركيز على المركزية مما قاد إلى عدم قدرة المرؤسين على تحمل المسؤولية وتركيز المهام والقرارات فى أيدى المديرين ، مما ولد موجات مرتفعة من عدم الرضا بين متلقى الخدمة من المواطنين ، وعملية التطوير تسمى بعملية الإصلاح الإدارى والتى أصبحت من أحدى حتميات التنمية فى الدول النامية ، فهو نشاط تلقائى مستمر للإدارة العامة. ([20] ).
من الواضح أن هذا التعريف الأخير لم يأخذ بالحسبان بأن معظم برامج الإصلاح الإدارى فى الدول النامية لم تنفذ بصورة تلقائية ومستمرة ، بل كانت نتاجاً لمبادرات السلطات السياسية فى هذه الدول التى اكتشفت ضرورة الإسراع بإعداد برامج الإصلاح الإدارى استجابة للتغيرات المحيطة داخليا وخارجيا.
استناداً إلى ما تقدم فإن مفهوم الإصلاح الإدارى من خلال البرنامج الذى قدمته وزارة الدولة للتنمية الإدارية فى مصر قد أخذ بالحسبان الجوانب الاجتماعية والإدارية والاقتصادية ، حيث تناول الإصلاح الإدارى لجهة الهدف وهو " تحديث وتطوير أداء الجهاز الإدارى للدولة ، بهدف تدعيم قدرته على الوفاء برسالته الأساسية لتحقيق النهضة التنموية المأمولة ، ورفع المعاناة عن المواطن عند التعامل مع اجهزة الدولة برفع القيود البيروقراطية ، والتخفيف من التعقيدات المكتبية ، وتهيئة المناخ الإدارى الملائم لإنجاز خطط التنمية الشاملة. ([21] )
بدأ الاهتمام يتركز فى السنوات العشر الماضية على الدور الجديد للدولة فى عملية التنمية الشاملة والمستدامة على اعتبار ان الدولة فى العديد من دول العالم لم تستطيع أن تفى بوعودها ، حيث الاقتصادات التى تمر بمرحلة تحول أضطرت إلى الانتقال المفاجئ نحو اقتصاد السوق، واضطر كثير من بلدان العالم النامى إلى مواجهة فشل استراتيجيات التنمية التى تسيطر عليها الدولة. وحتى الاقتصادات المختلطة فى العالم الصناعى رأت في مواجهة فشل التدخل الحكومى ان تتجه بقوة فى اقتصادها المخلتط نحو آليات السوق. ورأى الكثيرون أن نقطة النهاية المنطقية لكل هذه الاصلاحات هى أن تقوم الدولة بأقل دور ممكن . لكن هذا الرأي يتعارض مع تجارب ناجحة فى التنمية كما هو الحال فى دول شرق أسيا التى اعتمدت كثيراً على الدور الفعال للدولة فى الإصلاح والتنمية حيث قامت بدور المحفز والميسر للتطور وشجعت أنشطة الأفراد ودوائر الأعمال الخاصة وتكاملت معها. ولا شك فى أن التنمية التى تسيطر عليها الدولة قد فشلت ، ولكن فشلت أيضا التنمية التى تتم بغير تدخل الدولة، وهذا يثبت بأن الحكومة الجيدة ليست من قبيل الترف بل هى ضرورة حيوية ، لأنه بدون دولة فعالة يندر تحقيق الإصلاح والتنمية.
والمسالك المؤدية إلى الدولة الفعالة كما يبين تقرير البنك الدولى للإنشاء والتعمير لعام 1997 كثيرة ومتنوعة يذكر منها :
الشق الأول – تركيز أنشطة الدولة على المجالات التى تتلاءم مع قدرتها ، إذ أن كثيرا من الدول تحاول أن تفعل أكثر مما تستطيع وبموارد غير كافية وقدرة محدودة فى حين أنه إذا تركز جهد الحكومات على الأنشطة العامة التى لا غنى عنها للتنمية فإن ذلك يزيد من فاعليتها.
الشق الثانى – البحث مع مرور الزمن عن وسائل لتحسين قدرة الدولة ، وذلك عن طريق تنشيط المؤسسات العامة وهذا يعنى وضع قواعد وقيود فعالة للحد من تصرفات الحكومة التحكمية ومكافحة الفساد وإخضاع المؤسسات للمزيد من المنافسة من أجل زيادة كفاءتها ، وتحسين المرتبات والحوافز وان تصبح الدولة أكثر استجابة لإحيتاجات المواطنين وجعل الحكومة أقرب إليهم عن طريق توسيع المشاركة واستخدام اللامركزية. ([22] ) كما يشير هذا التقرير إلى أن هناك خمس مهام جوهرية تشكل محور عمل أيه حكومة لتحقيق التنمية الشاملة وهى : أرساء القانون ، إقرار بيئة للسياسات لا تشويه فيها ، تشمل استقرار الاقتصاد الكلى، الإستثمار فى الخدمات الاجتماعية والبنية الاساسية الضرورية ، حماية الضعفاء والبيئة .
بناء على ما تقدم فإن الخيارات الاستراتيجية للإصلاح فى ظل الدور الجديد للدولة يجب أن تنطلق من مفهوم الدولة الأكثر استجابة لمطالب المواطنين وإيجاد آليات تساعد على زيادة الانفتاح والشفافية وتدعيم الحوافز على المشاركة فى الشئون العامة وتقليص المسافة بين الحكومة والمواطنين .
أن الاصلاح الاقتصادى بشكل عام والإدارى بشكل خاص يحتاج إلى قدر كبير من الوقت والجهد لأنه قد يواجه مقاومة سياسية أحيانا ومقاومة من السلطات التنفيذية المركزية أحياناً أخرى، لذلك لابد للإصلاحيين من القيام بضمان توفير إدارات مركزية (سياسية – إدارية ) قادرة على صياغة سياسات استراتيجية ،وتحقيق المزيد من المساءلة والشفافية والمنافسة مع الحصول على التغذية المرتدة بالتعاون مع النقابات العمالية والإتحادات المهنية والقوى الحقيقية صاحبة المصلحة فى الإصلاح من اجل تجاوز قوى مقاومة التغيير والإصلاح أذا لم يكن كسبها ممكناً إلى صف برنامج الإصلاح.
كما ويمكن الآن للدول النامية أن تستفيد من تجارب الدول الناجحة فى الإصلاح من جهة ومن مساعدات المنظمات الدولية التى تتمثل فى :
1- تقديم بعض الخبرات والاستشارات الفنية والتقنية بشأن إجراءات الإصلاح الداخلية ، شريطة أن يستكمل ذلك بالخبرات المحلية التى يمكن أن تستفيد من الخبراء الذين شاركوا فى تنفيذ العديد من البرامج الاصلاحية فى دول مماثلة.
2- تقديم المساعدات المالية الأولية عند الإقلاع بتنفيذ برنامج الإصلاح ، حيث تكون هذه الفترة حرجة وعوائدها محدودة جداً إن لم تكن معدومة إلي حين تبدأ عملية الإصلاح بإعطاء عوائدها وثمارها المرجوة.
3- أن عملية ربط الإصلاح الإدارى ولو بصورة جزئية بالمنظمات الدولية تحتم على الدولة الاستمرار فى برنامج الإصلاح والالتزام بتنفيذه . مع التنوية هنا إلى حجم المساعدات الخارجية مهما كان كبيراً أو صغيراً لا تستطيع أن تحقق نجاحا يذكر على أرض الواقع إذا لم تتوفر الإدارة السياسية والإدراية الداخلية لنهج الإصلاح.
خامسا : أشكال الاصلاح الإدارى
من خلال مراجعة العديد من الأدبيات الخاصة بالإدارة العامة والإصلاح الإدارى نلاحظ عدم الإجماع فيما بين المفكرين الإداريين على تحديد مفاهيم ثابتة ومحددة لإختيار الأسلوب الأمثل لعملية الإصلاح الإدراى، إلا أن الغالبية العظمى منهم تجمع على ضرورة التركيز حول مفهومين أثنين:([23])
الأول – الاعتماد على القدرات الخاصة فى إطار أجهزة الإدارة العامة:
ويفترض هذا المفهوم بأن اجهزة الإدارة العامة فى الدولة تتولى عملية القيام بإعداد وتنفيذ برامج الإصلاح الإدارى بصورة تلقائية بالاعتماد على الإمكانات الذاتية لعناصر النظم الإدارية، والتى تستشعر باستمرار بأنها مطالبة بالتطوير والتحسين فى أنظمة وأساليب الإدارة من خلال متابعة ومراقبة ومراجعة وتقويم مستويات الأداء ، حيث أن الأجهزة الذاتية يفترض أن تحدد مصادر الخلل والقصور والعجز فى أجهزة التخطيط والتنفيذ والمراقبة والإشراف . ومن أجل الاعتماد على القدرات الخاصة فى عملية الإصلاح الإدارى لابد من توفير بعض الشروط للوظيفة الإدارية مثل :
1- أهلية النظام الإدارى لاستيعاب عمليات التغيير والتطوير التى تحصل فى البيئتين الداخلية والخارجية والعمل على إعداد البرنامج الإصلاحى الملائم فى الوقت المناسب بما يتماشى مع هذه التطورات من جهة ومصلحة النظام الإدارى من جهة ثانية ، والعمل على متابعة تنفيذ هذا البرنامج وتقويم نتائجه واستخلاص العبر منه.
2- توفر الإمكانات لدى النظام السياسى على فهم طبيعة التحولات الداخلية والخارجية والعمل على تطوير ذاته تلقائيا بما يتفق وهذه الاستحقاقات فى صورة النمو الطبيعى إلى جانب اتخاذ المبادرات التطويرية ومطالبة النظام الإدارى بإعداد البرامج الخاصة بنقلها إلى حيز التطبيق (تفاعل إيجابى فيما بين النظامين السياسى والإدارى).
إن إمكانية تطبيق مفهوم الإصلاح الإدارى التلقائى الذى يعتمد على القدرات الخاصة تتوقف علي طبيعة المجتمع ودرجة التقدم فيه، حيث أن المجتمعات غير المتقدمة بفعل المنظومة السياسية الاجتماعية الإدارية غير قادرة على تطبيق هذا المفهوم نظراً لوجود بعض التناقضات بين مكونات وعناصر عملية الإصلاح .
الثانى : الإصلاح الإدارى الموجه:
إن عملية الإصلاح الإدارى بموجب هذا المفهوم تأتى استجابة لقناعات السلطات العليا (رئاسة الجمهورية فى بلادنا ) والسياسية والنقابية والمجتمعية نتيجة لشعور هذه الجهات كليا أو جزئيا بوجود عجز وقصور وخلل فى النظام الإدارى لا يستطيع ممثلو هذا الأخير اكتشافه ومعالجته، أو قد يتجاهلونه عن قصد خشية تعريضهم للمساءلة بكافة أشكالها .
والخلل والقصور فى النظام الإدارى يتم اكتشافه من قبل السلطات المتقدمة نتيجة لعدم قدرة الجهاز الإدارى على إعداد البرامج والخطط التنموية وتنفيذها بكفاءة عالية مما ينعكس على مستويات الأداء وتراجع الإنتاجية وإنخفاض معدلات النمو الاقتصادى وتدنى مستوى معيشة أفراد المجتمع وغير ذلك ، بحيث تتحول المسألة إلى قضية سياسية – اجتماعية لا يمكن السكوت عنها ولا بد من معالجتها.
إذن يمكن التأكيد على أن مظاهر ومتطلبات الإصلاح الإدارى الموجه تتمثل فى الآتي :
أ-ضعف نظام الإدارة العامة امام تحقيق الأهداف وتنفيذ البرامج الموضوعة.
ت- عجز أجهزة الإدارة العامة عن قراءة المستقبل واستشراف آفاقه القريبة والبعيدة .
ج-عدم قدرة نظام الإدارة العامة على الاستغلال الأمثل للموارد والإمكانات المادية والبشرية الموضوعة بتصرفه .
من المفيد الإشارة هنا انه قد تنجح أجهزة الإدارة العامة ولو إلى حين فى إخفاء عجزها وقد تتوارى خلف بعض الشعارات اللامنطقية متذرعة باعتماد معالجات وإصلاحات محدودة لقضايا معينة، لكن سرعان ما تتعرى الأجهزة الإدارية أمام القيادات السياسية والمجتمعية ويصبح فى هذه الحالة التدخل السياسى من أجل إجراء الإصلاح الإدراى مطلبا وطنيا ملحا. وهذه الحالة تنطبق إلي حد كبير على واقعنا الإدارى فى سورية، حيث تبنت مؤسسة رئاسة الجمهورية أولا مسؤولية التصدى للواقع الإدارى المترهل.
والإصلاح الإدارى بحد ذاته يفترض الارتباط بين النظام الإدارى والنظام الاجتماعى ، كأن يتم التأكيد على توسيع قاعدة الرقابة الشعبية على أعمال الجهاز الإدارى والاشتراك فى مناقشة قراراته الأساسية مما يمكن من تطوير هذه القاعدة وتنظيمها بما يساعد فى الأجل الطويل على وجود قيم جديدة فى المجتمع تؤكد أهمية الثقافة الإدارية . وهذا يعنى أن الإصلاح الإدارى يقتضى تفهم كامل لأبعاد التغيير الاجتماعى المطلوب تحقيقه.
وإذا أردنا أن نتساءل حول تطبيق المفهوم التلقائى أو الموجة في ظروف الجمهورية العربية السورية لأمكننا القول أنه في ظل الظروف الراهنة لا بديل عن الرعاية الرئاسية والسياسية لبرنامج الإصلاح الإدارى الشامل فى كافة أجهزة الإدارة العامة وإعطائه الدفع الذى يستحق نظرا للأهمية القصوى لتنفيذ هذا البرنامج .
مما تقدم نستطيع التأكيد على ان استراتيجية الإصلاح الإدارى فى أى بلد من البلدان تعتمد على المنطلقات التالية :
1- الكفاءة والفاعلية بمعنى تعظيم العوائد وتقليص التكاليف والارتقاء بمستوى الخدمات إلى الجودة الراقية .
2- المساءلة المستمرة والشفافية بقصد تحسين مستوى الأداء وترشيد الانفاق عبر البرامج والخطط المدروسة .
3- استخدام الأساليب والطرائق والأدوات والتقانات المتقدمة فى النشاطات الإدارية عبر شبكة من المؤهلين تأهيلا فنيا وإداريا راقيا.
4- إيلاء الثقافة التنظيمية الاهتمام الذى تستحق وتطويرها بمعنى تغيير المعتقدات التقليدية للخدمة فى ميدان الإدارة العامة وتأكيد بناء وتطوير نظم معلومات للوحدات الإدارية عن الاهداف والأنشطة والأولويات والتكاليف ومستوى الأداء والآفاق المستقبلية وغير ذلك.
أما الخطوات الأساسية لعملية الإصلاح الإدارى فهى:
1ً-اكتشاف الحاجة إلى عملية الإصلاح الإدارى
2ً-وضع الإستراتيجية الملائمة للإصلاح الإدارى
3ً-تحديد الجهاز المسؤول عن الإصلاح الإدارى
4ً-تعيين وسائل تنفيذ عملية الإصلاح الإدارى
5ً-تقويم الإصلاح الإدارى
من السمات الاساسية التى يتصف بها علم الإدارة وتطبيقاته المختلفة فى كافة ميادين الحياة هى الديناميكية والحركية وسرعة الاستجابة للتطور والتقدم العلمى والتقانى وبما يتماشى مع التغييرات الحاصلة فى البيئات السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها. ولذلك كانت ولا تزال تظهر اتجاهات جديدة فى مختلف دول العالم وخاصة المتقدمة منها تؤكد ضرورة تحديث الأنظمة والهياكل الإدارية وأساليبها وأدوات وتقانات عملها. وذلك من اجل رفع وتحسين مستوى كفاءة الأجهزة العامة للإدارة.
لقد قدم علماء الإدارة مجموعة كبيرة من المصطلحات الدالة على عمليات التحديث والتطوير منها : التنمية الإدارية ، الإصلاح الإدارى ، التطوير الإدارى ، إعادة الهيكلة ، الهندرة ، أعادة اختراع الحكومة وغير ذلك كثير من المصطلحات. لكن جميع هؤلاء العلماء لم يتمكنوا من تقديم تعاريف موحدة لهذه المفاهيم نظرا لتباين مدارسهم وإتجاهاتهم الفكرية والعلمية والسياسية .
1ً-المدلول الإدارى لمفهوم الإصلاح الإدارى:
الإصلاح الإدارى وفقاً لهذا المدلول يعنى أن القيام على فكرة " الثقة فى أن الدول الغربية قد حققت أفاقاُ عالية من الكفاءة الإدارية ، تلك التي يكون نقلها إلي الدول النامية أمراً ضرورياً، ويكون الإصلاح الإدراى طبقاً لهذا التعريف هو عملية نقل التكنولوجيا الغربية".([1] )
كما عرف مؤتمر الإصلاح الإدارى فى الدول النامية الذى عقدته هيئة الأمم المتحدة بجامعة ساسكى البريطانية لعام 1971 " عملية الإصلاح الإدارى على أنها حصيلة المجهودات ذات الإعداد الخاص التى تستهدف إدخال تغييرات أساسية فى المنظمة الإدارية العامة من خلال إصلاحات على مستوى النظام جميعه، أو على الأقل من خلال معايير لتسحين واحدة أو اكثر من عناصرها الرئيسية مثل الهياكل الإدارية والافراد والعمليات الإدارية".([2] )
كما هو واضح من التعريفيين السابقين فإن الأول تناول مسألة الإصلاح الادراي على أنها عملية نقل تقانات فقط من الدول المتقدمة إلى الدول النامية متجاهلاً مسائل الاصلاح المرتبطة بالهياكل والنظم الإدارية وتخفيف المركزية وتطوير الأطر البشرية وغيرها. أما التعريف الثانى فإنه لم يتطرق لأثر البيئة السياسية او الاقتصادية أو الاجتماعية على نشاطات الإصلاح وهذا يعنى إنكار هذه المدلولات الرئيسة فى أية مسألة للإصلاح الاقتصادى أو الإدارى .
وبناء على ما تقدم يمكن التأكيد على أن المدلول الإدارى لمفهوم الاصلاح يجب أن يعالج المسائل المتعلقة بـ : كفاءة أجهزة الإدارة العامة من خلال تبسيط الإجراءات وإعادة هيكلة الجهاز الادارى وتطوير منظومة القوانين والتشريعات الإدارية.
ويؤكد الدكتور على الباز رداً على المدلول الإدارى لمفهوم الاصلاح " أن هناك مشاكل معينة تعوق عمل المنظمات الإدارية أى تعوق سبيل تحقيقها لأهدافها العامة وتلك المشكلات أو المعوقات تحتاج لعلاج أو لإصلاح إدارى كى تتمكن الإدارة العامة من تأدية واجباتها فى تحقيق الاهداف العامة. ومرد تلك المشكلات إلى أحد أمرين : فإما أن تكون نابعة من داخل أجهزة الإدارة العامة أي أن أسبابها كامنة داخل الإجهزة أو المنظمات الإدارية العامة ، وأما أن تكون نابعة من خارجها أي من البيئة الخارجية والأجهزة السياسية والاقتصادية.. " . ([3] )
وهناك فريق من الباحثين يفند المدلول الإدارى للإصلاح على اعتبار أن هذا الأخير له أبعاد أوسع وأشمل من مجرد حصره فى نطاق الجهاز الإدارى المحدود ، حيث أن أى نظام يعتبر جزءاً لا يتجزأ من مجموعة نظم أخرى ذات طبيعة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تؤثر وتتأثر بالنظام الإدارى السائد . وهذا يعنى أن " أي تغيير إدارى غير كاف مالم يكن جزءاً من تغيير شامل بجميع نواحى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية "([4] )
1- المدلول السياسيى لمفهوم الإصلاح الإداري :
يربط العديد من الباحثين الإداريين الإصلاح الإدارى بالإصلاح السياسي أو( بالنظام السياسى) لدرجة أن البعض يؤكد أن الإصلاح الإدارى يقوم أساساً على الإصلاح السياسى وبدون هذا الأخير لا معنى للأول وخاصة فى الدول النامية حيث عرف Mont Gomery الإصلاح الإدارى بأنه " تلك العملية السياسية التى تصيغ من جديد العلاقة ما بين السلطة الإدارية والقوى المختلفة فى المجتمع" ([5] ). وهذا يستتبع أن مشاكل الجهاز الإدارى هى بالأصل سياسية وبالتالى فإن معالجتها يجب أن تأتى من قمة الهرم السياسى، على اعتبار أن وظائف الدولة تتسع وتتعمق أفقيا وشاقوليا.
يؤخذ على هذا المدلول أنه يوازن مابين السلطة التنفيذية وباقى سلطات الدولة من حيث ضرورة التوافق فى برامج الإصلاح بالنسبة لمستويات التنظيم الإدارى والسياسي ، لأن تغليب الإصلاح الإدراى على السياسي سيقود إلى سيطرة الجهاز الإدارى على سياسة الدولة . لهذا فإنه من المطلوب تحقيق التوافق فى برنامجى الإصلاح الإدارى والسياسى معا.
3ً-المدلول الاجتماعى لمفهوم الإصلاح الإدارى :
ترجع أهمية هذا المدلول إلى نشأة علم إجتماع الإدارة العامة, ذلك العلم الذى كان له أكبر الأثر فىتوجيه أنظار الباحثين إلى أهمية الوسط الاجتماعى فى دراسات الإدارة بصفة عامة وفى جهود الإصلاح الإدراى بصفة خاصة، حيث أن الأساليب والمفاهيم الإدارية ما هى إلا العناصر اللازمة لكى تحقق المنظمات الإدارية أهدافها فى إطار اجتماعى محدود لها فى ضوء الظروف والمعطيات الاجتماعية ، ولهذا فإن العملية الإدارية لا يمكن استيعابها إلا بالفهم الكامل لإبعاد الوظيفة الاجتماعية للمنظمة، حيث أن المنظمات الإدارية ما هى إلا أنظمة اجتماعية فرعية تتكامل فى نظام أكبر هو النظام الاجتماعى . ([6] )
ويؤكد الدكتور نزيه الأيوبى البعد الاجتماعى " للإصلاح الإدارى الذى يربطه بعملية ترشيد وإصلاح يساعد على التقدم والتحول فى البناء الاجتماعى وهو يعكس إلى حد ما ايديولوجية النظام الاقتصادى والاجتماعى السائد فى الدولة " ([7] )
يرى فريق آخر من العلماء أن اختلاف أراء الباحثين حول مفهوم الإصلاح الإدارى يعود لعدة أسباب أهمها : أن الإصلاح الإدارى له مفهوم معيارى قيمي وله أبعاد أخلاقية متعددة ذات أهداف تختلف معايير قياسها – الإصلاح يمثل عملية تنموية وسياسية واجتماعية لها جوانب تنفيذية واقتصادية – ليس علاجاً فقط لسلبية إدارية بل هو مضامين سياسية واجتماعية وإرتباط بعملية تحول من وضع لآخر. ([8] )
يعتبر جيرالد كايدن (Girald Caiden) من اهم أنصار البعد الاجتماعى للإصلاح الإدارى حيث يرى أن " التغير الاجتماعى يشكل الإطار العام للإصلاح الإدارى ، ولا يمكن التحدث عنه بمعزل عن التغير أو التطور الاجتماعى إذ ان كليهما يساند الآخر ويتداخل معه"([9] ) وهذا يعنى بأن الاصلاح الإدارى هو نتيجة حتمية وطبيعية لتطور القوى الاجتماعية التى تسعى لتحقيق التطور الإدارى المطلوب ليس بصورة تلقائية بل بصورة إرادية مدروسة.
وهكذا فإن المدلول الاجتماعى للإصلاح الإدارى لا يمكن تجاهله على اعتبار ان " الارتباط بين النظام الإدارى من ناحية والنظام الاجتماعى من ناحية أخرى. وهى حقيقة علمية تقوم عليها نظرية الإدارة العامة، ولا مناص من الأخذ بها كشرط أساسى لتطبيق الأسلوب العلمى للإصلاح الإدارى"([10] )
من خلال الاستعراض السريع لمدلولات الإصلاح الأدارى من النواحى الإدارية والسياسية والاجتماعية فإنه لا يمكننا إلا أن نسلم بضرورة تكامل هذه الأبعاد الثلاثة مع بعضها البعض لتشكل النسيج الشامل والمتوازن لمفهوم الإصلاح الإدارى الذى لا تكتمل مضامينه فى ظل غياب البعدين السياسى والاجتماعى .
ثالثا : الإصلاح الإدارى فى الفكر الغربي
أن كافة المصادر والدراسات الإدارية تشير إلى أن التطور التاريخى للنشاط الإداري كان مبنياً على إحداث تغيرات مستمرة فى هيكل أجهزة الإدارة العامة من خلال استخدام المنهج التجريبى فى الدراسات الإدارية القائم على أساس مبدأ التجربة والخطأ الذى يرتكز على دعامتين أساسيتين وهما:
الأولي : إقامة الهيكل التنظيمى للجهاز الإدارى (مفهوم ستاتيكى)
الثانية : أعادة بناء هذا الهيكل كلما أقتضى الأمر (مفهوم ديناميكى). ([11] )
فالدعامة الأولى تعنى إقامة الهيكل التنظيمى للجهاز الإدارى الحكومى والبدء فى عملية تشغيله والعمل على رصد وأكتشاف الأخطاء ونقاط الضعف فى حال وجودها . ومن ثم تأتى الدعامة الثانية لإعادة بناء الهيكل التنظيمى للجهاز الإدارى على الأسس التجريبية على أرض الواقع مع تجاوز الأخطاء ونقاط الضعف المكتشفة عند التشغيل فى صياغة الهيكل الجديد. وهذا يؤكد على أن إقامة النظم الإدارية وإدخال التعديلات عليها هما وجهان لعمله واحدة هى الإدارة العلمية . وعملية الإصلاح والتطوير الإدارى فى الدول الغربية تتم بواسطة تشكيل لجان فنية واستشارية أو حتى وحدات إدارية مستقلة يتم إلحاقها بالمستويات السياسية أو لإدارية العليا فى الدولة.
كما أن بعض الدول ووفقاً لظروفها فإنها قد تلجأ لإدخال إصلاحات سريعة غير روتينية فى سياساتها التقليدية . وهنا لابد من إصلاح الجهاز الإدارى ليصبح قادراً على تنفيذ برامج التغيير من خلال إنشاء لجان ذات طابع إستشارى (فنى وسياسى) تقوم بدراسة التنظيم الإدارى ثم تقدم توصياتها إلى السلطات المختصة لإصدار التشريعات اللازمة لإصلاح الجهاز الإدارى للدولة وهو ما يؤكد الدور الإستشارى للإصلاح الإدارى ". ومن هذه اللجان" لجنة فولتون " فى بريطانيا ، " ولجنة المادة 76" فى فرنسا ،وكذلك لجان الدراسات الاستشارية فى الولايات المتحدة الامريكية التى تمثل أهم أدوات تحسين وتدعيم السياسة العامة" ([12] ).
من الزاوية التاريخية فإن مسألة الإصلاح الإدارى فى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية ليست وليدة النصف الثانى من القرن العشرين لا بل أنها تعود في جذورها إلى الزمن القديم. لكننا لسنا بصدد تسليط الضوء هنا على التطور التاريخى لحركة الإصلاح الإدارى عالميا، لكنه من المفيد الإشارة هنا إلى أن توماس جيفرسون كأحد مؤسسي الولايات المتحدة الأوائل اقترح أن تغير الدولة الهياكل الحكومية كل عشرين سنة تقريباً، وتوالت البرامج الخاصة بالإصلاح منذ عام 1828 عندما تولى أندرو جاكسون الحكم الذى طبق مبدأ "دع الشعب يحكم" وتبعه إبراهام لنكولن الذى وسع من دور الدولة وزاد من نشاطها وإعداد موظيفها مروراً بتيودور روزفلت واندور ويلسون ورونالد ريغان ثم بيل كلينتون الذى وضع رؤية جديدة لتغيير امريكا عن طريق الاهتمام بالناس أولا كأساس لهذا التغيير عبر التحول من بروقراطية التسلسل القيادى إلى حكومة تتسم بروح منظمى الأعمال.
كما دعت أكاديمية الإدارة العامة الامريكية عبر تقرير قدمته إلى تقليص دور الحكومة كاشفاً العيوب الأساسية فى الأداء والمتمثلة فى"
1- اتساع فى حجم الخدمات الحكومية .
2- الخدمات التى تقدمها الحكومة تتسم ببيروقراطية شديدة.
3- تضخم حجم الحكومة من حيث موظيفها وميزانيتها الأمر الذى يجعل مساءلتها عملية صعبة .
4- القيادات الحكومية أصبحت مفلسه بصورة عامة.
5- شعور الرأى العام الاميركى بقلق مما تؤدية الحكومة وتزايد دورها . "([13] )
مصطلح الإصلاح الإدارى بمفهومة الحديث بدأ يظهر فى أواخر الستينيات من القرن العشرين فى بعض الدراسات عندما قام علماء الإدارة أمثال Bribanti and Spengler, La Palamora and Riggs بالدعوة إلى إعادة تنظيم النظم الإدارية لتواكب التغيير وتتمشى مع البرامج الإنمائية القومية . وقد ساعد على تقبل هذا الفكر الجديد ان النظم الإدارية القديمة فشلت فى تنفيذ البرامج التى تعمل على تحقيق التنمية والتقدم. وفى الثمانينات دعا علماء الإدارة الحكومات لتطبيق الفكر الجديد فى أجهزتها الإدارية لأنه يعتمد على التغيير والتطوير المنظم لأداء الجهاز الإدراي." ([14] )
فى هذا السياق تقدم كلا من Osborne and Gaebler من خلال كتابهما المشترك " إعادة الاختراع " المبادئ التى يجب أن تنطلق منها الحكومة فى عملها وهى : ([15] )
1- أن الحكومة ليست شراً لا بد منه كما يظن الكثيرون ، فهى ضرورية وأساسية وهامة لكل المجتمعات المتحضرة .
2- أن العاملين فى الحكومة ليسوا هم أساس المشكلة فى تراجع الانتاج والخدمات ولكن النظام الإدارى هو السبب والدليل أن كثيرين ممن يفشلون فى عملهم فى الإدارات الحكومية ينجحون فى العمل فى القطاع الخاص.
3- أن حكومات عصر الصناعة بمركزيتها وبيروقراطيتها والتى تعمل بطريقة متشابهة ، لا ترقى إلى مستوى التحديات والمتغيرات السريعة التى تواكب عصر المعلومات.
4- أن المشكلة التى تواجهها الحكومة ليست بسبب الفكر الليبرالى التقليدى ، ولا الفكر المحافظ التقليدى وهى ليست متعلقة بالإتفاق اكثر أو تقليل الإنفاق، علينا أن نجعل الحكومات فعالة مرة اخرى وذلك بتجديدها.
5- أن نجاح أى حكومة فى مسعاها للتطور لا يأتى إلا من خلال هدفها الأسمى الذى تؤمن به تماماً والمتمثل بالعدالة وتكافؤ الفرص.
ويستنتج الدكتور عطية حسين أفندى أستاذ ورئيس قسم الإدارة العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أهم الأفكار الواردة فى كتاب " إعادة الاختراع" والتى تشكل سمات وخصائص الحكومة المجددة وهى : الحكومة الشركة ،المجتمع مديراً، حكومة منافسة ، حكومة ذات رسالة ، إدارة حكومية بالنتائج ، حكومة يسيرها عملاؤها ، حكومة الأعمال تكسب أكثر مما تنفق ، حكومة غير مركزية بعيدة النظر، حكومة مسيرة بعوامل السوق.
بالعودة إلى الإصلاح الإدارى فإن أهم الخصائص التى يتصف بها وفقا للإدبيات والتطبيقات الإدارية فى العالم الليبرالى هى:
1- يتم وضع وتنفيذ برامج الإصلاح بصورة تدريجية وقد تكون بطيئة أحياناً وغير فجائية أو جذرية ، وذلك فى ضوء دراسات وإستشارات فنية وإدارية تقوم بها لجان من الخبراء فى ضوء سياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية. ويتم هنا استصدار.
2- فى العادة يكون محور الإصلاح منصباً على أحد عناصر النظام الإدارى .
3- أن عملية الإصلاح تبدأ فى العادة من النظام الإدارى نفسه.
4- أن الجهاز الإدارى وأن كان هو هدف الإصلاح، فإنه هو ذاته إداة هذا الإصلاح ووسيلة تنفيذه أيضاً .([16] )
رابعا : الاصلاح الإدارى فى الدول النامية
أن مفهوم الإصلاح الإدارى فى الدول النامية قد أرتبط إلى حد كبير بمشكلات التنمية لأن الأجهزة الإدارية متخلفة وغير قادرة على تنفيذ خطط التنمية القومية بوصفها إدارة تنمية ، ونتيجة لهذا التخلف فلا مناص من إصلاحها حتى تكون قادرة على تحقيق التنمية القومية بكفاءة وفاعلية. ([17] )
وقد رأى البعض من الباحثين بأن حتمية الاصلاح الإدارى فى الدول النامية أهم من حتمية قيام الإدارة العامة بدروها فى التنمية ، لأن الإصلاح فى الدول النامية لا يعنى مجرد إجراء تغييرات وتصحيح فى النظام الإدارى، بل يعنى فى الوقت نفسه احداث تغييرات في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية تواكب التغييرات الإدارية ([18] ) وقد أرتأى البعض الآخر من الإداريين على أن عملية الإصلاح تمثل تغيير أصيل فى العمل وفى التنظيم وفى الاشخاص وفى نظرة الناس فى كل هذه الأمور وهو فى إطار هذا المفهوم ليس مجرد تعديل بسيط أو مواءمة سطحية ، وإنما تحول كامل فى الخطط وتغيير جوهرى فى الروح والفكر وإنماط السلوك وفى التنظيم وعمل العنصر البشرى. ([19] )
لكن التطور تعثر فى الكثير من الدول النامية كما يؤكد بارى بوزمان بسبب " سيطرة الجهاز الإدارى البيروقراطى على معظم المؤسسات حتى أصبح قوة من الصعب السيطرة عليها مما أدى إلى عدم المرونة وتضارب الهياكل القانونية والتركيز على المركزية مما قاد إلى عدم قدرة المرؤسين على تحمل المسؤولية وتركيز المهام والقرارات فى أيدى المديرين ، مما ولد موجات مرتفعة من عدم الرضا بين متلقى الخدمة من المواطنين ، وعملية التطوير تسمى بعملية الإصلاح الإدارى والتى أصبحت من أحدى حتميات التنمية فى الدول النامية ، فهو نشاط تلقائى مستمر للإدارة العامة. ([20] ).
من الواضح أن هذا التعريف الأخير لم يأخذ بالحسبان بأن معظم برامج الإصلاح الإدارى فى الدول النامية لم تنفذ بصورة تلقائية ومستمرة ، بل كانت نتاجاً لمبادرات السلطات السياسية فى هذه الدول التى اكتشفت ضرورة الإسراع بإعداد برامج الإصلاح الإدارى استجابة للتغيرات المحيطة داخليا وخارجيا.
استناداً إلى ما تقدم فإن مفهوم الإصلاح الإدارى من خلال البرنامج الذى قدمته وزارة الدولة للتنمية الإدارية فى مصر قد أخذ بالحسبان الجوانب الاجتماعية والإدارية والاقتصادية ، حيث تناول الإصلاح الإدارى لجهة الهدف وهو " تحديث وتطوير أداء الجهاز الإدارى للدولة ، بهدف تدعيم قدرته على الوفاء برسالته الأساسية لتحقيق النهضة التنموية المأمولة ، ورفع المعاناة عن المواطن عند التعامل مع اجهزة الدولة برفع القيود البيروقراطية ، والتخفيف من التعقيدات المكتبية ، وتهيئة المناخ الإدارى الملائم لإنجاز خطط التنمية الشاملة. ([21] )
بدأ الاهتمام يتركز فى السنوات العشر الماضية على الدور الجديد للدولة فى عملية التنمية الشاملة والمستدامة على اعتبار ان الدولة فى العديد من دول العالم لم تستطيع أن تفى بوعودها ، حيث الاقتصادات التى تمر بمرحلة تحول أضطرت إلى الانتقال المفاجئ نحو اقتصاد السوق، واضطر كثير من بلدان العالم النامى إلى مواجهة فشل استراتيجيات التنمية التى تسيطر عليها الدولة. وحتى الاقتصادات المختلطة فى العالم الصناعى رأت في مواجهة فشل التدخل الحكومى ان تتجه بقوة فى اقتصادها المخلتط نحو آليات السوق. ورأى الكثيرون أن نقطة النهاية المنطقية لكل هذه الاصلاحات هى أن تقوم الدولة بأقل دور ممكن . لكن هذا الرأي يتعارض مع تجارب ناجحة فى التنمية كما هو الحال فى دول شرق أسيا التى اعتمدت كثيراً على الدور الفعال للدولة فى الإصلاح والتنمية حيث قامت بدور المحفز والميسر للتطور وشجعت أنشطة الأفراد ودوائر الأعمال الخاصة وتكاملت معها. ولا شك فى أن التنمية التى تسيطر عليها الدولة قد فشلت ، ولكن فشلت أيضا التنمية التى تتم بغير تدخل الدولة، وهذا يثبت بأن الحكومة الجيدة ليست من قبيل الترف بل هى ضرورة حيوية ، لأنه بدون دولة فعالة يندر تحقيق الإصلاح والتنمية.
والمسالك المؤدية إلى الدولة الفعالة كما يبين تقرير البنك الدولى للإنشاء والتعمير لعام 1997 كثيرة ومتنوعة يذكر منها :
الشق الأول – تركيز أنشطة الدولة على المجالات التى تتلاءم مع قدرتها ، إذ أن كثيرا من الدول تحاول أن تفعل أكثر مما تستطيع وبموارد غير كافية وقدرة محدودة فى حين أنه إذا تركز جهد الحكومات على الأنشطة العامة التى لا غنى عنها للتنمية فإن ذلك يزيد من فاعليتها.
الشق الثانى – البحث مع مرور الزمن عن وسائل لتحسين قدرة الدولة ، وذلك عن طريق تنشيط المؤسسات العامة وهذا يعنى وضع قواعد وقيود فعالة للحد من تصرفات الحكومة التحكمية ومكافحة الفساد وإخضاع المؤسسات للمزيد من المنافسة من أجل زيادة كفاءتها ، وتحسين المرتبات والحوافز وان تصبح الدولة أكثر استجابة لإحيتاجات المواطنين وجعل الحكومة أقرب إليهم عن طريق توسيع المشاركة واستخدام اللامركزية. ([22] ) كما يشير هذا التقرير إلى أن هناك خمس مهام جوهرية تشكل محور عمل أيه حكومة لتحقيق التنمية الشاملة وهى : أرساء القانون ، إقرار بيئة للسياسات لا تشويه فيها ، تشمل استقرار الاقتصاد الكلى، الإستثمار فى الخدمات الاجتماعية والبنية الاساسية الضرورية ، حماية الضعفاء والبيئة .
بناء على ما تقدم فإن الخيارات الاستراتيجية للإصلاح فى ظل الدور الجديد للدولة يجب أن تنطلق من مفهوم الدولة الأكثر استجابة لمطالب المواطنين وإيجاد آليات تساعد على زيادة الانفتاح والشفافية وتدعيم الحوافز على المشاركة فى الشئون العامة وتقليص المسافة بين الحكومة والمواطنين .
أن الاصلاح الاقتصادى بشكل عام والإدارى بشكل خاص يحتاج إلى قدر كبير من الوقت والجهد لأنه قد يواجه مقاومة سياسية أحيانا ومقاومة من السلطات التنفيذية المركزية أحياناً أخرى، لذلك لابد للإصلاحيين من القيام بضمان توفير إدارات مركزية (سياسية – إدارية ) قادرة على صياغة سياسات استراتيجية ،وتحقيق المزيد من المساءلة والشفافية والمنافسة مع الحصول على التغذية المرتدة بالتعاون مع النقابات العمالية والإتحادات المهنية والقوى الحقيقية صاحبة المصلحة فى الإصلاح من اجل تجاوز قوى مقاومة التغيير والإصلاح أذا لم يكن كسبها ممكناً إلى صف برنامج الإصلاح.
كما ويمكن الآن للدول النامية أن تستفيد من تجارب الدول الناجحة فى الإصلاح من جهة ومن مساعدات المنظمات الدولية التى تتمثل فى :
1- تقديم بعض الخبرات والاستشارات الفنية والتقنية بشأن إجراءات الإصلاح الداخلية ، شريطة أن يستكمل ذلك بالخبرات المحلية التى يمكن أن تستفيد من الخبراء الذين شاركوا فى تنفيذ العديد من البرامج الاصلاحية فى دول مماثلة.
2- تقديم المساعدات المالية الأولية عند الإقلاع بتنفيذ برنامج الإصلاح ، حيث تكون هذه الفترة حرجة وعوائدها محدودة جداً إن لم تكن معدومة إلي حين تبدأ عملية الإصلاح بإعطاء عوائدها وثمارها المرجوة.
3- أن عملية ربط الإصلاح الإدارى ولو بصورة جزئية بالمنظمات الدولية تحتم على الدولة الاستمرار فى برنامج الإصلاح والالتزام بتنفيذه . مع التنوية هنا إلى حجم المساعدات الخارجية مهما كان كبيراً أو صغيراً لا تستطيع أن تحقق نجاحا يذكر على أرض الواقع إذا لم تتوفر الإدارة السياسية والإدراية الداخلية لنهج الإصلاح.
خامسا : أشكال الاصلاح الإدارى
من خلال مراجعة العديد من الأدبيات الخاصة بالإدارة العامة والإصلاح الإدارى نلاحظ عدم الإجماع فيما بين المفكرين الإداريين على تحديد مفاهيم ثابتة ومحددة لإختيار الأسلوب الأمثل لعملية الإصلاح الإدراى، إلا أن الغالبية العظمى منهم تجمع على ضرورة التركيز حول مفهومين أثنين:([23])
الأول – الاعتماد على القدرات الخاصة فى إطار أجهزة الإدارة العامة:
ويفترض هذا المفهوم بأن اجهزة الإدارة العامة فى الدولة تتولى عملية القيام بإعداد وتنفيذ برامج الإصلاح الإدارى بصورة تلقائية بالاعتماد على الإمكانات الذاتية لعناصر النظم الإدارية، والتى تستشعر باستمرار بأنها مطالبة بالتطوير والتحسين فى أنظمة وأساليب الإدارة من خلال متابعة ومراقبة ومراجعة وتقويم مستويات الأداء ، حيث أن الأجهزة الذاتية يفترض أن تحدد مصادر الخلل والقصور والعجز فى أجهزة التخطيط والتنفيذ والمراقبة والإشراف . ومن أجل الاعتماد على القدرات الخاصة فى عملية الإصلاح الإدارى لابد من توفير بعض الشروط للوظيفة الإدارية مثل :
1- أهلية النظام الإدارى لاستيعاب عمليات التغيير والتطوير التى تحصل فى البيئتين الداخلية والخارجية والعمل على إعداد البرنامج الإصلاحى الملائم فى الوقت المناسب بما يتماشى مع هذه التطورات من جهة ومصلحة النظام الإدارى من جهة ثانية ، والعمل على متابعة تنفيذ هذا البرنامج وتقويم نتائجه واستخلاص العبر منه.
2- توفر الإمكانات لدى النظام السياسى على فهم طبيعة التحولات الداخلية والخارجية والعمل على تطوير ذاته تلقائيا بما يتفق وهذه الاستحقاقات فى صورة النمو الطبيعى إلى جانب اتخاذ المبادرات التطويرية ومطالبة النظام الإدارى بإعداد البرامج الخاصة بنقلها إلى حيز التطبيق (تفاعل إيجابى فيما بين النظامين السياسى والإدارى).
إن إمكانية تطبيق مفهوم الإصلاح الإدارى التلقائى الذى يعتمد على القدرات الخاصة تتوقف علي طبيعة المجتمع ودرجة التقدم فيه، حيث أن المجتمعات غير المتقدمة بفعل المنظومة السياسية الاجتماعية الإدارية غير قادرة على تطبيق هذا المفهوم نظراً لوجود بعض التناقضات بين مكونات وعناصر عملية الإصلاح .
الثانى : الإصلاح الإدارى الموجه:
إن عملية الإصلاح الإدارى بموجب هذا المفهوم تأتى استجابة لقناعات السلطات العليا (رئاسة الجمهورية فى بلادنا ) والسياسية والنقابية والمجتمعية نتيجة لشعور هذه الجهات كليا أو جزئيا بوجود عجز وقصور وخلل فى النظام الإدارى لا يستطيع ممثلو هذا الأخير اكتشافه ومعالجته، أو قد يتجاهلونه عن قصد خشية تعريضهم للمساءلة بكافة أشكالها .
والخلل والقصور فى النظام الإدارى يتم اكتشافه من قبل السلطات المتقدمة نتيجة لعدم قدرة الجهاز الإدارى على إعداد البرامج والخطط التنموية وتنفيذها بكفاءة عالية مما ينعكس على مستويات الأداء وتراجع الإنتاجية وإنخفاض معدلات النمو الاقتصادى وتدنى مستوى معيشة أفراد المجتمع وغير ذلك ، بحيث تتحول المسألة إلى قضية سياسية – اجتماعية لا يمكن السكوت عنها ولا بد من معالجتها.
إذن يمكن التأكيد على أن مظاهر ومتطلبات الإصلاح الإدارى الموجه تتمثل فى الآتي :
أ-ضعف نظام الإدارة العامة امام تحقيق الأهداف وتنفيذ البرامج الموضوعة.
ت- عجز أجهزة الإدارة العامة عن قراءة المستقبل واستشراف آفاقه القريبة والبعيدة .
ج-عدم قدرة نظام الإدارة العامة على الاستغلال الأمثل للموارد والإمكانات المادية والبشرية الموضوعة بتصرفه .
من المفيد الإشارة هنا انه قد تنجح أجهزة الإدارة العامة ولو إلى حين فى إخفاء عجزها وقد تتوارى خلف بعض الشعارات اللامنطقية متذرعة باعتماد معالجات وإصلاحات محدودة لقضايا معينة، لكن سرعان ما تتعرى الأجهزة الإدارية أمام القيادات السياسية والمجتمعية ويصبح فى هذه الحالة التدخل السياسى من أجل إجراء الإصلاح الإدراى مطلبا وطنيا ملحا. وهذه الحالة تنطبق إلي حد كبير على واقعنا الإدارى فى سورية، حيث تبنت مؤسسة رئاسة الجمهورية أولا مسؤولية التصدى للواقع الإدارى المترهل.
والإصلاح الإدارى بحد ذاته يفترض الارتباط بين النظام الإدارى والنظام الاجتماعى ، كأن يتم التأكيد على توسيع قاعدة الرقابة الشعبية على أعمال الجهاز الإدارى والاشتراك فى مناقشة قراراته الأساسية مما يمكن من تطوير هذه القاعدة وتنظيمها بما يساعد فى الأجل الطويل على وجود قيم جديدة فى المجتمع تؤكد أهمية الثقافة الإدارية . وهذا يعنى أن الإصلاح الإدارى يقتضى تفهم كامل لأبعاد التغيير الاجتماعى المطلوب تحقيقه.
وإذا أردنا أن نتساءل حول تطبيق المفهوم التلقائى أو الموجة في ظروف الجمهورية العربية السورية لأمكننا القول أنه في ظل الظروف الراهنة لا بديل عن الرعاية الرئاسية والسياسية لبرنامج الإصلاح الإدارى الشامل فى كافة أجهزة الإدارة العامة وإعطائه الدفع الذى يستحق نظرا للأهمية القصوى لتنفيذ هذا البرنامج .
مما تقدم نستطيع التأكيد على ان استراتيجية الإصلاح الإدارى فى أى بلد من البلدان تعتمد على المنطلقات التالية :
1- الكفاءة والفاعلية بمعنى تعظيم العوائد وتقليص التكاليف والارتقاء بمستوى الخدمات إلى الجودة الراقية .
2- المساءلة المستمرة والشفافية بقصد تحسين مستوى الأداء وترشيد الانفاق عبر البرامج والخطط المدروسة .
3- استخدام الأساليب والطرائق والأدوات والتقانات المتقدمة فى النشاطات الإدارية عبر شبكة من المؤهلين تأهيلا فنيا وإداريا راقيا.
4- إيلاء الثقافة التنظيمية الاهتمام الذى تستحق وتطويرها بمعنى تغيير المعتقدات التقليدية للخدمة فى ميدان الإدارة العامة وتأكيد بناء وتطوير نظم معلومات للوحدات الإدارية عن الاهداف والأنشطة والأولويات والتكاليف ومستوى الأداء والآفاق المستقبلية وغير ذلك.
أما الخطوات الأساسية لعملية الإصلاح الإدارى فهى:
1ً-اكتشاف الحاجة إلى عملية الإصلاح الإدارى
2ً-وضع الإستراتيجية الملائمة للإصلاح الإدارى
3ً-تحديد الجهاز المسؤول عن الإصلاح الإدارى
4ً-تعيين وسائل تنفيذ عملية الإصلاح الإدارى
5ً-تقويم الإصلاح الإدارى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق